عمر السهروردي

69

عوارف المعارف

قال الجنيد : الصوفي كالأرض ، يطرح عليه كل قبيح ، ولا يخرج منها إلا كل مليح . وقال أيضا هو كالأرض ، يطؤها البر والفاجر ، وكالسحاب ، يظل كل شئ وكالقطر يسقي كل شيء وأقوال المشايخ في ماهية التصوف تزيد على ألف قول ، ويطول نقلها ، ونذكر ضابطا يجمع جمل معانيها ، فإن الألفاظ وإن اختلفت متقاربة المعاني . فنقول : الصوفي هو الذي يكون دائم التصفية ، ولا يزال يصفي الأوقات عن شواب الأكدار ، بتصفية القلب عن شوب النفس ، ويعينه على هذه التصفية دوام افتقاره إلى مولاه ، فبدوام الافتقار ينقي من الكدر ، وكلما تحركت النفس وظهرت بصفة من صفاتها أدركها ببصيرته الناقدة ، وفر منها إلى ربه . فبدوام تصفيته جمعيته ، وبحكمة نفسه تفرقته وكدره ، فهو قائم بربه على قلبه ، وقائم بقلبه على نفسه . قال اللّه تعالى : كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ ( 8 ) « 1 » . وهذه القوامية للّه على النفس هو التحقق بالتصوف . فال البعض : التصوف كله اضطراب ، فإذا وقع السكون فلا تصوف . والسر فيه أن الروح مجذوبة إلى الحضرة الإلهية ، يعني أن روح الصوفي متطلعة منجذبة إلى مواطن القرب ، وللنفس بوضعها رسوب إلى عالمها ، وانقلاب على عقبها ، ولابد للصوفي من دوام الحركة ، بدوام الافتقار ، ودوام الفرار ، وحسن التفقد لمواقع إصابات النفس . ومن وقف على هذا المعنى يجد في الصوفي جميع المتفرق في الإشارات .

--> ( 1 ) سورة المائدة آية : 8 .